لا يختلف إثنان على أن لبنان يقع اليوم على خط زلازل المنطقة، وهو الأقرب إلى سوريا من حيث التأثر والتأثير. وعلى الرغم من المخاطر التي يواجهها البلد على المستوى الأمني فإن الخطر الأكبر يأتي من داخله. هذا الخطر ليس أمنياً، فالحمد لله الجيش والقوى الأمنية يقومان بواجباتهما على أكمل وجه باعتراف الجميع سواء في الداخل أم في الخارج.

الخطر الذي نتحدث عنه يـأتي من إهمال القوى السياسية الحاكمة، كل القوى بلا استثناء، لمؤسسات الدولة، وإيثارها مصالحها السياسية الخاصة على مصلحة البلد والمواطنين.

صحيح أن التئام طاولة الحوار أمرٌ مطمئن لأن الحوار أي حوار هو عمل إيجابي بذاته. لكن المواطن ينتظر حلولاً لأزماته.

هل يمكن للحوار أن يشكل رافعة للاقتصاد. فالحوار لم يصل إلى نتيجة على خط الرئاسة أو قانون الانتخاب أو حتى التوافق على تفعيل عمل الحكومة على الرغم من أن وجودها، مجرد وجودها أمرٌ إيجابي، خصوصاً أمام الخارج الدولي. ما تقدّم حول إيجابيات الحوار والحكومة قد ينطبق عليه المثل الشعبي "نص العمى ولا العمى كله". لكن هل يكفي ذلك كي يستقيم وضع المؤسسات وتدور عجلة الاقتصاد؟ وهل بالحوار والحكومة يكتفي اللبنانيون ومؤسساتهم و"كفاهم شرّ القتال" من أجل تحصين البلد ونهضته؟

إن الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبنانيين في تدهور متواصل. لقد قلنا سابقاً ونقولها اليوم إن الفساد آفة لكن الغطاء السياسي للمفسدين هو أخطر من الفساد نفسه... لأن الفساد يتكاثر في بيئة لا حسيب فيها ولا رقيب. وقد أصبح الفساد سمة من سمات البلد!

لا بنية تحتية يعني لا اقتصاد معافى. وقد أكد تقرير حديث للبنك الدولي أن لبنان في المراتب الأسوأ عالمياً لجهة البنى التحتية إذ يحتل المرتبة 120 بين 144 دولة. الأزمات تتكاثر كالفطر أو كالفساد: النفايات، الكهرباء، المياه، (العاصمة مثلاً وأهلها عطاشى) التقرير المشار إليه أعلاه يؤكد أن الفقراء ينفقون 15% من إجمالي دخل الأسرة على مصادر المياه البديلة. وكان يُظن إلى زمن قريب، مع الارتفاع النسبي لكمية المياه المتوافرة للفرد الواحد، أن لبنان خزان المنطقة ومصدرها ويعوّل على مياهه كثروة وطنية يعتدّ بها. طبعاً نخاف على الثروة المكتشفة حديثاً أي الغاز أن يكون مصيرها كمصير سابقاتها. فلبنان أيضاً كان يمكن له أن يكون جامعة العالم العربي ومستشفاه أيضاً!

المشكلة تكمن في تفريغ مؤسسات الدولة وتهميش دورها مقابل هيمنة المصالح الفئوية والخاصة على مقدرات الدولة، واستشراء الفساد الذي هو عدّو للجميع والخلاص منه لا يكون إلاّ برفع الغطاء السياسي عن الفاسدين. أما سياسة الترقيع تحت الضغط الشعبي فلن تحل مشكلة النفايات أو الكهرباء أو المياه أو المدارس والجامعات أو البطالة وما إلى هنالك من أمور معيشية وصحية واجتماعية مهملة ومتروكة لتنهش جسد المجتمع اللبناني. فليكن اقتصاد البلد ومعيشة الناس خطاً أحمر، أي من خارج الحسابات الحزبية والطائفية وبعيداً عن المحاصصة.

في المحصلة، لا عقود ولا هبات ولا قروض، ما لم نتفق على ملء الفراغ الرئاسي وتشكيل حكومة. لكن أيضاً لا تغيير في كل ما سبق من وصف للأوضاع ما لم ننتخب مجلساً نيابياً جديداً يكون حسيباً ورقيباً على حكومة فاعلة بما يشكل مدخلاً حقيقياً لاستعادة البلد وطاقاته البشرية وثرواته الوطنية، وتحسين صورته أمام شبابه وشاباته قبل العالم الذي لن ترحمنا صفقاته إن لم نفعل!