اسمحوا لي في البداية أن أعبّر عن بالغ امتناني لمجلس أمناء الجامعة اللبنانية الأميركية LAU واللجنتين الأكاديمية والتنفيذية لمنحي شهادة الدكتوراه الفخرية في الآداب الإنسانية. وأتوجه بالشكر بشكل خاص إلى رئيس الجامعة اللبنانية الأميركية، جوزيف جبرا، الذي بذل جهوداً جبارة وتفانياً قلَّ نظيره لتطوير الجامعة. ولا يخفى على أحد أنه لولا مساهماته القيمة ومساهمات الهيئة التعليمية والإدارية الداعمة له، لما تمكنت الجامعة من تحقيق هذه المكانة التي تستحقها عن جدارة

لقد أنهيتم اليوم الجزء الأسهل من حياتكم التي أتمنى أن تكون مديدةً وملؤها الصحة.

وها أنتم تقفون بوجوه باسمة تنظرون باتجاه مستقبل مجهول، وسلاحكم، إلى جانب العزيمة والثقة بالنفس، شهادة جامعية تحملونها معكم اليوم إلى منازلكم.

إن هذه الشهادة تشكل 50% من وصفة نجاحكم في المستقبل، أمّا الـ50% الأخرى فتتمثل بالفرص التي ستطرق بابكم، والتي سيشكل انتهازها التحدّي الأكبر لكم. في هذه الحقبة من التنافس المحموم، عليكم أن تغامروا في أي عمل تقومون به. 35 ألف شاب وشابة يخرجون من الجامعات اللبنانية كل سنة، لسوق عمل يتقلص باستمرار، إذ هو لا يتسع لأكثر من 25% منهم. وبالتالي، سيضطر العديدون منكم للمغادرة نحو بلدان تَعِدُ بفرص وظيفية أفضل. وتعتبر دول الخليج وشمال أفريقيا وجهات جيدة مقارنة ببلدان الهجرة التي تمنح جنسياتها للمهاجرين بعد فترة من الزمن. ولا داعي للتردد في المغادرة، فمن شأن ذلك أن يمنحكم الخبرة ويصقل مهاراتكم لبضعة سنوات. ولكن بعد أن تكتسبوا هذ الخبرة، وعلى أمل أن يكون قد عاد الاستقرار الاقتصادي إلى لبنان، ستتمكنون من استثمار مهاراتكم في بلدكم لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة بشكل أفضل. وهذا ما قمت به أنا شخصياً.

لقد ولدت في كنف عائلة من الطبقة المتوسطة، وكان والدي موظفاً في الدولة يكافح لتلبية حاجات أسرة من سبعة أفراد، بينهم جدّاي. وقد اضطرت والدتي للاستدانة من أخيها لتمويل دراستي العليا في الولايات المتحدة الأميركية. ويعود نسبي إلى خالد بن الوليد المخزومي الذي دافع عن الإسلام والدولة، وكذلك فعل أسلافي. فقد ضحّى عمي الراحل فؤاد مخزومي بحياته حين تظاهر ضد الانتداب الفرنسي في 13 تشرين الثاني 1943.

حين تخرجت عام 1975 كانت الحرب مشتعلة في وطننا الحبيب لبنان، واضطررت للسفر. توجهت إلى السعودية شأني شأن كثير من اللبنانيين الذين سعوا لبناء مستقبلهم في الخليج العربي. وبفضل حسّ المغامرة وروح المبادرة، كان النجاح حليفي، ولكن ليس بدون تجاوز عوائق وحواجز عدّة. وكان اتكالي دوماً على زوجتي الحبيبة وأولادنا وعلى دعمهم وتفهمهم.

عام 1992، بعد أن حققت إنجازات مهمة في مسيرتي المهنية، قررت العودة إلى لبنان، والعمل فيه على الصعيد الإنساني وفي مجال الأعمال. فأنشأت شركة أمن المستقبل في السنة نفسها، وهي شركة تقدم خدمات أمنية بشرية والكترونية، وتضمّ الآن حوالي الألف موظف هم من المواطنين اللبنانيين حصراً، يعملون في كافة أرجاء لبنان.

وبعد عام على ذلك، أي في 1993، تم افتتاح شركة المستقبل لصناعة الأنابيب في منطقة عكار التي تعتبر من المناطق النائية والمحرومة في البلاد، وكان مصنعنا ينتج أنابيب متطورة تستخدم في عدة تطبيقات. لكن للأسف، لم تحصل الشركة على ما يكفي من العقود في البلاد، وذلك لأسباب سياسية. وقد اضطررت لإقفال المصنع بعد أن تحملت عبء استمرار عمله على نفقتي الخاصة لعدّة سنوات. وأدى هذا الإقفال القسري إلى حرمان مئات اللبنانيين من وظائفهم وفقدان المئات، غيرهم ممن كانوا يستفيدون من وجود المصنع بشكل غير مباشر، لأحد أهمّ مواردهم.

لقد سخّرت نجاحي ليس لتحقيق مصلحتي الشخصية ومصلحة عائلتي الصغيرة فحسب، إذ أن الأهم بالنسبة لي كان تحقيق مصلحة عائلتي الأوسع، عنيت مواطنّي اللبنانيين، من أي منطقة أتوا. وقد قاربت ذلك على صعيدي الأعمال الإنسانية وفي مجال الأعمال.

أنشِئت مؤسسة مخزومي عام 1997 وتترأسها اليوم وتديرها زوجتي العزيزة ميّ. وتسعى المؤسسة منذ تأسيسها قبل 18 عاماً للحفاظ على رفاهية واستدامة المجتمع والحرص على دعم الأفراد والعائلات من خلال تزويدهم بالمهارات ليعيلوا أنفسهم وعائلاتهم لقد تمكنّا من إحداث فرق عبر تغيير حياة الآخرين وتوفير الخدمات الصحية، والدعم الاقتصادي لصغار رواد الأعمال، ودعم التربية والتعليم، ومساندة اللاجئين المحتاجين للإغاثة، وتحقيق التنمية المستدامة بما يشمل النساء والأطفال والشباب والعجّز. وبفضل قيادة ميّ وتفانيها، تمكنت المؤسسة من تقديم أكثر من 2.5 مليون خدمة لـ660 ألف شخص من خلال برامجها المنوعة وذلك منذ إنشائها ولغاية تاريخه.

ومؤخراً، تم إطلاق مبادرة إنسانية جديدة تمثلت في جمعية "بيروتيات" التي تهدف إلى استقطاب اللبنانيين لخدمة عاصمتهم. إن الجمعية المذكورة تهدف بشكل أساسي إلى إنشاء رابط في ما بين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم ضمن فسحة حياة يحلو العيش فيها. وأنا على ثقة أنكم جميعاً سمعتم بمهرجانات "رمضانيات بيروتية" و"ميلاديات بيروتية" التي ننظمها كلّ سنة، والتي باتت اليوم من الفعاليات السنوية.

وعلى الرغم من أنه لم يمض الكثير من الوقت على إنشائي منتدى الحوار الوطني، إلا أن هذا المنتدى يقود اليوم النقاش الدائر حول الثروة الوطنية الناشئة في البلاد، وهدفنا التسريع في ترسية عقود النفط ومقاربة التفاصيل الشائكة المتعلقة ببرامج النفط والغاز، إلى جانب إنشاء صندوق سيادي تستفيد منه الأجيال القادمة. وفي هذا السياق، عقدنا في نهاية الشهر الماضي المنتدى السنوي الثالث للنفط والغاز في المدرسة العليا للأعمال ESA، إلى جانب مؤتمرات ومحاضرات وورشات عمل ننظمها في جامعات مختلفة بعد أن لقي منتدانا الكثير من النجاح.

تضمّ مجموعة شركاتنا آلاف الموظفين الأوفياء وهي تشمل، إلى جانب شركة المستقبل لصناعة الأنابيب، مجموعة ENOIA المتخصصة في مجال الخدمات الهندسية والناشطة في أربع قارات. وللشركة وجود في 17 دولة وتُجري اتفاقيات وأعمال في عشرات الدول الأخرى حول العالم. تشكل برامج المسؤولية المجتمعية للشركات، مع تطبيقاتها المتعددة الأوجه، منصات للمسؤولية المستدامة ولديها تأثير إيجابي جداً على المجتمع بشكل عام إن هذه البرامج عزيزة جداً على قلب عائلتي، بما أن المبادر الأول الفعلي في إطلاقها كان نجلي الراحل رامي الذي توفي في عزّ الشباب عن عمر 33 سنة، بعد أن نجح في رفع أعمال العائلة في مجال الأنابيب إلى مستويات عالية غير مسبوقة. كان رامي حريصاً على بناء المسؤولية المجتمعية لشركتنا وتبني مبادئ وقواعد الحوكمة في مجال الأعمال وفي الميدان الإنساني كان رامي مثالاً يحتذى به لأبناء جيله، وكمّ أتمنى لو انه كان اليوم معنا ليشاركنا هذه اللحظة. لقد استلمت الشعلة منه في كلّ المهام التي كان يتولاها ونَفذت حتى الآن العديد من المبادرات ذات الصلة في لبنان والخارج.

لقد عبّرت عن قلقي حيال الاستقرار في المنطقة وفي لبنان بشكل خاص في كافة المنتديات التي دُعيت للتكلم فيها، أمام حضور دولي، عن مواضيع السلام والتسامح الديني والبيئة وتمكين الإنسان والقضاء على الفقر وحلّ النزاعات، والتي شكلت كذلك بعض أبرز المواضيع التي بحثتها مع رؤساء الدول والحكومات المسؤولين الكبار وغيرهم من صانعي القرار المؤثرين. أنا لست إلا واحداً من العديد من رجال الأعمال اللبنانيين، الذين، وانطلاقاً من محبتهم واهتمامهم ببلدهم ومواطنيهم، سخّروا مواردهم في خدمة أبناء بلدهم. وأنا أدعو كلا منكم لحمل هذا اللواء حين تَخُطون مساركم المهني. أقف أمامكم أيها الحضور الكريم بفضل اعتراف الجامعة اللبنانية الأميركية بمبادراتي. وكيف لي أن أردّ لها هذا الجميل إلا عبر الالتزام بالاستمرار في دعم شبابنا في سعيهم لتحقيق مستقبل أفضل.

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي في الجامعة اللبنانية الأميركية بعد منحه الدكتوراه الفخرية في الآداب الإنسانية في 11 حزيران 2016