فؤاد مخزومي


يصعب على كثيرين اختصارَ رجلٍ بحجم المهندس فؤاد مخزومي ببضع كلماتٍ. الرجل ابن عائلةٍ لبنانيةٍ عريقةٍ ربّته على الطاعة والاحترام والانصياع للقيم والمبادىء والأخلاق، وزوّدته أصول التخاطب والمروءة والشجاعة، فخرج إلى ربوع الحياة عصامياً وصاحب قرارٍ سياسي حكيم ومعتدل.

مخزومي قضى طفولته في منطقة المزرعة في العاصمة بيروت. كان شديد التأثر بمدينته ما جعله يتردد إليها دائماً رغم أسفاره الكثيرة. تشرّب منها العِلم والإصرار على التفوّق والنجاح، ثم غادرها ليكتب بيديه حكايا الظفرِ الكثيرة التي نصّبته واحداً من أهم رجال الأعمال في الوطن العربي.

حاز فؤاد مخزومي على شهادتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكيميائية من جامعة ميتشيغان للتكنولوجيا. خلافاً لزملائه، تخرّج مخزومي وفي خاطره فكرة مشروعٍ ورؤية اقتصادية شاملة. وبعد البحث وجد أن الأرضية الأفضل لتحويل الحلم إلى واقع هي المملكة العربية السعودية. ثم قام في العام 1984 بإنشاء واحدة من أكبر الشركات الصناعية الخاصة في المنطقة وهي "مجموعة المستقبل لصناعة الأنابيب". نمت هذه الشركة، التي هي الآن مملوكة بالكامل لمجموعة المستقبل القابضة، وباتت واحدة من أكبر منتجي أنظمة الأنابيب المركبة في العالم، وأصبحت لاعباً عالمياً في نطاق أنشطتها مع الشركات التابعة المتخصصة في أربع قارات.

خلال الأعوام 1995-1997 عمل مخزومي كرئيس بالوكالة للجمعية الدولية لتحلية المياه، وكان عضواً في الهيئة الدولية لمجلس العلاقات الخارجية: مشروع الولايات المتحدة - الشرق الأوسط منذ العام 1996. ثم تبوأ بين الأعوام 1995- 1998 نيابة رئاسة مجلس الإدارة في معهد السياسات الاجتماعية والاقتصادية في الشرق الأوسط في كلية جون كينيدي للحكومة في جامعة هارفارد. وأسس في عام 1997 "مؤسسة مخزومي" وهي جمعية لبنانية غير ربحية تساهم من خلال التدريب المهني والرعاية الصحية وبرامج القروض الصغيرة في تنمية المجتمع المدني اللبناني. وتشغل حالياً زوجته السيدة مي مخزومي رئاستها.

لا يتوقف عطاء الزوجين في هذا المضمار. يشعران بمسؤولية كبيرة تجاه الخريجين الجُدد، ولا سيما الطموحين منهم. لذلك يُبديان رغبة قوية في دعم الشباب في الاعتماد على ذواتهم وتحسين آفاقهم المهنية. إذ يؤمنان بأن "المسؤولية الاجتماعية، تجاه الإنسانية جمعاء، لا تتحققُ ببساطة من خلال تقديم المساعدة والخدمات لمن هم أقل حظاً، ولكن من خلال تمكينهم أيضاً من تحمل المسؤولية تجاه أنفسهم والآخرين".

محلياً، قام مخزومي باستثمارات في عددٍ كبير من الشركات الخاصة التي تُغذي الاقتصاد اللبناني المحلي في مجالات تتراوح بين الهندسة والصناعة والتجارة والبحوث والعقارات والأمن والمعلومات وغيرها. وفي العام 2004 أسس "حزب الحوار الوطني اللبناني" الذي يرأسه حالياً.

قدم مخزومي من خلال الرؤية العامة للحزب مشروعاً سياسياً - اقتصادياً متكاملاً، يكاد يكون مقدمةً للخروج من أزمات اقتصادية كثيرة تعثّر بها البلد على مرّ سنوات. وقد كان أول من دعا إلى الاستفادة من الفائض المُكتشف من الموارد الطبيعية في المياه اللبنانية، فقدم العديد من الاقتراحات والسُبل المستندة الى دراسات عالمية في كيفية بدء التخطيط للاستفادة من النفط. وهو صاحب المقولة الشهيرة: "النفط والغاز هما مستقبل بلدنا".

ويشدّد مخزومي في حياته العادية كما في أي مجالٍ آخر على دور كل إنسانٍ في تحمل المسؤولية الوطنية والاجتماعية باعتباره شريكاً للآخر في الوطن والأرض. لا يمّيز بين مواطن وآخر، بل يعتبر المساواة وتقبل الاختلاف أساساً في وقف الحروب واجتثاث أسبابها. يقول مخزومي: "بناءً على المسؤولية الاجتماعية التي تقع على أكتاف كل فرد في الحياة، عملت بجد من خلال مؤسساتنا الصناعية والتجارية والاجتماعية، لكي أتقبل بحماس حصتي من تلك المسؤولية".

على الرغم من اعتبار مخزومي قائداً اقتصادياً تميّز بإنجازات لا تُحصى، إلا أنه في الوقت نفسه زوج وأب وجدّ، وقد أتقن أدواره هذه فوضع العائلة نُصب عينه كـخيارٍ أولي دائماً. تزوج مخزومي من السيدة مي نعماني، وتكرّس حبهما بإنجاب ثلاثة اولاد هم: ابنهما الراحل رامي وابنتيهما تمارا وكاميليا. ولشدة تأثر الزوجين برحيل ابنهما أطلقا العديد من المبادرات الهادفة لمساعدة الشباب اللبناني باسمه: مبادرة رامي مخزومي لحوكمة الشركات، وجائزة رامي مخزومي للمنح الدراسية والقيادة، ومركز فؤاد ومي الفني للتراث الثقافي، ومنتدى الحوار الوطني، مستقبل الشباب من خلال مؤتمرات النفط والغاز، ومركز فؤاد مخزومي للابتكار.

(*) مقالة حول المهندس فؤاد مخزومي في مجلة "عيون وفاء" للكاتبة هناء ابراهيم مسقاوي