فؤاد مخزومي


أَنْ ألتقي بطلاب وطالبات جامعة الآداب والعلوم والتكنولوجيا في لبنان، فهذا أمرٌ يسعدني ويشرفني لأكون بالقرب من شباب وشابات يمثلون وأترابهم في مختلف الجامعات والكليات والمعاهد التعليمية مستقبل الوطن. هذا الوطن الذي نريده جميعاً مشرقاً ومشرفاً للبنان بين الأمم.

إن العالم يتغيّر من حولنا وبسرعة هائلة. فنحن نشهد منذ انتهاء العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين أزمات كبرى وحروب في أكثر من بلد من بلداننا العربية. هذه الأزمات والحروب في المنطقة تحتم علينا أخذ العبر، خصوصاً أننا في الذكرى الثانية والأربعين للحرب الأهلية سيئة الذكر نريد لوطننا أن ينعم بالأمن والأمان: الاجتماعي والاقتصادي. كل ذلك يتطلب باختصار: نظرة استراتيجية ورؤية بعيدة وشفافية واضحة.

إن المطلوب أن نبني إنساناً يفكر، لا يتقبل الأشياء كما هي بل يعرف كيف يقول لا ويبحث ويأتي بالحجة التي تثبت صحة قوله، ويتشاركها مع رفاقه ويقبلهم ويحترم آراءهم.

التعليم يجب أن يأخذ بالاعتبار أحدث ما توصلت إليه البشرية... هذا صحيح، لكن أيضاً وأيضاً التعليم يجب أن يأخذ في الاعتبار حاجات سوق العمل، ليس في لبنان فحسب بل أيضاً في البلدان العربية وخصوصاً في الخليج الذي يستقطب 400 ألف لبناني ويدرّ على لبنان حوالى 8 مليارات دولار في العام.

نحن قادمون، على سبيل المثال لا الحصر، على مرحلة جديدة عنوانها في الاقتصاد هو النفط والغاز. فكيف سندير التعليم كي يتكيف مع هذه السوق الجديدة؟ لا يَخفى على أحد أن التعليم سلاح فعال يمكّن الشباب من بلوغ أهدافهم والنهوض ببلدهم. فتحسين وضع المجتمع عموماً والشباب خصوصاً، يتطلب خلق فرص عمل جديدة وتوجيه الطلاب نحو إختصاصات لها علاقة بتكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل وقطاع النفط الذي يفتقد إلى برامج تدريس في الجامعات تُعنى بتأهيل يد عاملة متخصصة في المجالات كافة للعمل فيه. لذا الحاجة ملحة إلى اختصاصات تسمح للطلاب بالانخراط في هذا القطاع مستقبلاً. لعل جلّ ما نحتاج، ابتكار أفكار جديدة لتطوير القطاع التعليمي والثقافي بغية تأمين عمل لشبابنا بالتوازي مع تأمين نوعية جديدة من التعليم تتماشى مع التطور التكنولوجي الآخذ في التوسّع.

كي ننجح في التعليم وكي نصوّب اتجاه التعليم والتخصصات، وكي ننجح في الاقتصاد والاستثمار في البشر وفي الشباب تحديداً، يجب أن نشرح الواقع ونفند الوقائع: إننا مقبلون على انتخابات نيابية قد تُؤَجّل تحت عنوان "تأجيل تقني" هذا أمرٌ بات واقعاً بعد انتهاء المهل الدستورية، وقبلها ما حصل من سجالات وصراعات حول نوع القانون وتقسيماته، إذ كل طرف بدا يشد لحاف القانون نحو مصالحه والدوائر بما يحقق له ضمان مقاعده. وباختصار الخطاب الأخير حول الانتخابات لم يكن صحياً للوطن وللديمقراطية التي يجب أن نتمسّك بها والتي تحقق الحياة السياسية السليمة الضامنة للبنان العيش المشترك دونما إجحاف بحق أحد والأهم المانعة لعودة الحرب الأهلية ولغتها المقيتة التي طفت على السطح في الأيام الأخيرة. رغم كل ذلك نقول أن لا هروب من الانتخابات. لذا وأيّاً كان القانون الذي سوف تجري الانتخابات على أساسه يجب أن نتمعن جميعاً بنتائج انتخابات نقابة المهندسين. لقد أثبتت هذه الانتخابات أن اتجاه الناخبين هو إلى التغيير. وأكدت أن المجتمع المدني قادر على اختراق قوى السلطة. وأن شريحة الشباب هي التي تقود هذا التغيير. فقد تبين من نتائج هذه الانتخابات أن أغلبية أصوات المهندسين من فئة الشباب رفضت تجمّع أحزاب السلطة وصبّت لمصلحة المستقلين. لكن من الواضح أيضاً، إذا تمعنا في نسبة التصويت سنجد أن نسبة الاقتراع لم تتخط نسبة الـ25 بالمئة. وهذا يعني في ما يعنيه أن الإحباط يتمكن من فئة كبيرة من الناس وأن على المجتمع المدني بثّ الأمل عند المستقيلين عن لعب أدوراهم في التغيير، وذلك لا يكون إلاّ بإيصال برامجهم المدروسة جيداً والتي تعيد للناخبين الثقة بإمكان نهضة دولتهم ومؤسساتها بعيداً عن العقل الذي يدير المحاصصة وتقاسم المغانم. إن انتخابات نقابة المهندسين تذكرنا بالانتخابات البلدية والاختيارية التي جرت في أيار الماضي والتي أظهرت نتائجها أن الناس تتململ وتريد التغيير. باختصار، لم يعد الشباب تحديداً يرغبون في استثمارهم عبر ترهيب بعضهم من البعض الآخر. الاستثمار السياسي في الطائفية والمذهبية يجب أن ينتهي. بيد الشباب نهايته... بيدكم أنتم كتابة صفحة جديدة من صفحات لبنان المقبل. أجزم أن الشباب قادر على التغيير إذا توقف عن الاستقالة من دوره، وأقْدََمَ بقوّة البرامج، وآمن بأن الشفافية تطيح بالفساد مهما شاع وكبر وأن النزاهة سلوك وممارسة ولغة لم تنقرض. نعم الشباب قادر على التغيير. من أجل كل ذلك أسّستُ في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية "مبادرة رامي مخزومي لحوكمة الشركات" لتسهيل نشر وتعميم الأبحاث والاستراتيجيات المتعلقة بحوكمة الشركات والمؤسسات. وَوَقَّعْتُ أيضاً في تشرين الثاني الماضي اتفاقية تعاون مع الجامعة اللبنانية - الأميركية (LAU) لإنشاء "مركز فؤاد مخزومي للإبداع" بهدف تمكين الشباب من مواءمة طاقاتهم مع حاجات لبنان والمنطقة، فالمستقبل هو للابتكار والمهنة التقليدية لم تعد تكفي، لذا فإن الحاجة ملحة لتطوير التعليم واعتماد التدريب المهني للشباب.

ونصيحة للسياسيين الممسكين بشؤون البلد ألا يدفعوا الشباب إلى الإحباط فالهجرة أو التطرف.

إن الثروة الحقيقية للبلد تكمن فيكم أنتم الشباب فلا تترددوا في تقديم الأفضل لبلدكم فهو يستحق كل جهد... "لبنان حرزان"...

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي خلال ندوة في جامعة الآداب والعلوم والتكنولوجيا في لبنان AUL في 18 نيسان 2017