فؤاد مخزومي


قال رئيس "حزب الحوار الوطني" المهندس فؤاد مخزومي إن "التسوية التي أدّت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة غيّرت المشهد وأعطت دفعاً جديداً لموقع لبنان في العالم. وهذا أيضاً برز مع عودة السعودية إلى لبنان والإعلان عن رغبتها في تعيين سفير جديد"، مشيراً إلى بروز "تحرك أميركي واضح باتجاه لبنان بعد تولي الرئيس دونالد ترامب الرئاسة"، ومضيفاً انه "إذا لم يكن بمقدور هذا البلد الصغير التغيير في الجغرافيا السياسية أو التأثير على الأزمة في سوريا ومسارها، أو أزمات المنطقة الأخرى، فهذا لا يعني عدم إمتلاك القرار الأمني".

ورأى مخزومي في لقاء أجراه معه موقع "الإنتشار"، أن تمسك رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بإجراء الانتخابات النيابية على أساس قانون "النسبية" "فرصة لقوى المجتمع المدني والأهلي للتحرك والضغط من أجل سنٌه". وفيما استشهد بنتائج الإنتخابات البلدية والاختيارية، قال: "بإمكان المواطن اللبناني التغيير الحقيقي عبر صندوقة الاقتراع ولسوف يفعل. ولا ننسى أن لبنان يستحق التغيير.. لبنان "حرزان"".

ولدى سؤاله عن وجود سياستين تتحكمان بالدولة أجاب مخزومي: "هناك سياسات وليس سياستين. والسبب واضح أن السياسيين اللبنانيين اعتادوا انتظار الخارج الإقليمي والدولي بقواه الفاعلة كافة، لكن الواقع يفيد أن المنطقة تقع فوق رمال متحركة. لذلك على القوى السياسية اللبنانية التمسك بمزيد من الاستقلالية في القرار، لأن الفرصة سانحة الآن بعد انتخابات الرئاسة. ولا أظن أن هناك مشكلة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري طالما أن معادلة التسوية يشارك فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري. وبالتأكيد "حزب الله" لم تزل قائمة. وأعتقد أن الوضع مثالي للتغيير والاستقرار والاستقلالية". وفي حديثه عن أهمية انجاز الموازنة لتفعيل مؤسسات الدولة، لفت مخزومي إلى "أن كل الإجراءات المالية التي قام بها مصرف لبنان المركزي، بحجة إنقاذ الوضع في ظل الفراغ الدستوري سوف تذهب هدراً". ونبٌه من ان "المشكلة تكمن" أيضاً، في أن أحداً لن يعترف بنا والبنك الدولي ليس جمعية خيرية ولا المؤسسات الأممية أو الدولية سوف تغطي مشاريعنا الإنمائية "على العمياني".

وجاء نص الحوار على النحو الآتي:

1-من خلال تحرككم، وما تطلعون عليه داخلياً وخارجياً، أين تجدون لبنان في الخريطة السياسية الدولية؟ بمعنى هل أن لبنان ما زال على خريطة العالم؟
- مما لا شك فيه أن لبنان في مرحلة الفراغ الرئاسي والمراوحة الحكومية والجمود في مجلس النواب، خسر كثيراً على المستوى الدولي. وتبدى ذلك عبر سفراء الدول الكبرى، ومحاولاتهم المتكررة للدفع باتجاه انتخاب رئيس للجمهورية وتحريك المؤسسات، والتمسك باستقرار البلد، خصوصاً على المستوى الأمني. لكن التسوية التي أدّت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة غيّرت المشهد وأعطت دفعاً جديداً لموقع لبنان في العالم. وهذا أيضاً برز مع عودة السعودية إلى لبنان والإعلان عن رغبتها في تعيين سفير جديد، والأجواء المتفائلة مع مختلف دول مجلس التعاون الخليجي. ونحن نأمل أن تعود العلاقات العربية إلى زخمها. وبرز أيضاً اهتمام أميركي عبّرت عنه زيارة قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي الجنرال جوزيف فوتيل إلى لبنان والذي أكد دعم الإدارة الأميركية للجيش اللبناني. في أي حال، فإن لقاءات مع مختلف فعاليات وسفراء ورجالات سواء في منطقة الخايج أم في أوروبا عبّرت عن ارتياحها للأجواء الحالية في لبنان. لكن الأمر يتطلب المزيد من التطمينات للخارج خصوصاً على المستوى الاقتصادي والشفافية وإجراءات مكافحة الفساد.

2-هناك حديث عن انفتاح جديد يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه لبنان. ماذا ترون في خلفيات مما يحكى في هذا السياق؟
- برز تحرك أميركي واضح باتجاه لبنان بعد تولي الرئيس دونالد ترامب الرئاسة، خصوصاً بعد زيارة رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ السناتور بوب كوركر، وقائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزف فوتل إلى لبنان ولقائهما المسؤولين اللبنانيين. وبرز أيضاً توجّه أميركي لزيادة المساعدات التي يقدمها للجيش اللبناني مما يعني أن أميركا تولي أهمية كبرى لضمان الإستقرار والأمن في لبنان. في أي حال، الإدارة الأميركية التي تشن حملة على الإرهاب، تدرك جيداً أهمية الحفاظ على عوامل الاستقرار في لبنان في ظل الأزمات التي تعصف في دول الجوار. وهذا ما عبّر عنه الجنرال فوتل بعد لقائه قائد الجيش العماد جان قهوجي الذي وصف العمل الذي يقوم به الجيش بالممتاز خصوصاً في مواجهة تنظيم "داعش" على الحدود الشرقية. من هنا أؤكد مجدداً ضرورة الالتفاف حول الجيش والقوى الأمنية التي أثبتت للجميع في الداخل والخارج قدراتها، لا سيما بعد نجاحها في توقيف ارهابي الكوستا وإنقاذ بيروت من كارثة محققة، عدا عن توقيفها عشرات الإرهابيين خلال تحضيرهم لعمليات أو حتى قبيل تنفيذ عملياتهم بساعات. في أي حال، من مصلحة أميركا والدول الكبرى أن يبقى لبنان بعيداً عن الأزمات، وإذا لم يكن بمقدور هذا البلد الصغير التغيير في الجغرافيا السياسية أو التأثير على الأزمة في سوريا ومسارها، أو أزمات المنطقة الأخرى فهذا لا يعني عدم إمتلاك القرار الأمني لفرض الاستقرار وحماية السلم الأهلي، ولم يمنع القوى الأمنية والجيش من فرض السيطرة على الأرض ومنع تحوّل أراضي لبنان إلى ملاذ للإرهابيين. قياساً على ذلك، فإن لبنان، الآن، في مرحلة انتقالية؛ المشكلة بين إيران والسعودية كبيرة إذ يراهن كل منهما على أن مجيء ترامب لمصلحته، وحتى تتوضح سياسته، من المرجّح أن نشهد صداماً سياسياً بين الطرفين. ويبدو أن ترامب سوف يضع عقوبات جديدة على طهران، كي يحافظ على صورته ووعوده قبيل الانتخابات. وهذا مرتبط أيضاً بمسألة إعادة الأموال الإيرانية المحتجزة والتي تبلغ مئة مليار دولار تمكٌن طهران من استثمار الغاز وتطوير النظام المصرفي.. من الواضح أن تعاطي أميركا مع المنطقة بوجود ترامب غير ما قبله. أما عن لبنان، فهو يعتبر أن العالم كله شركاء له. علماً أن حجمنا أربعة ملايين من أصل 7.9 مليار إنسان. وفي الواقع هو ساحة إقليمية للنزاعات. الموازنة غائبة منذ اثني عشر عاماً، وأراضيه مسرح للجميع. أين هو النمو الاقتصادي؟ في أحسن الحالات سجل النمو 2.5 في المئة.

3-باعتقادكم، لماذ لم يحصل نمو مع وجود النازحين السوريين؟
- يجب إعادة النظر في أسلوب التعاطي مع هذا الملف. الطريقة الوحيدة تكمن في استئناف التواصل مع سوريا.

4-كيف سيحصل ذلك علماً أن الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري من خطين مختلفين؟
- منذ تشرين الأول وهما يعملان سوياً. لا أرى اختلافاً جوهرياً بينهما الرئيس الحريري قرأ المستقبل بشكل صحيح ووجد أنه في هذه المرحلة يجب أن تكون لديه سياسة جيدة مع حزب الله. الآن، إذا لم يقر الاتفاق حول قانون الانتخابات سيكون هذا "الزواج" مرحلياً.. في الـ25 سنة الماضية بنيت دولة هشة "هرهرت"، وفي 2017 يجب ان تبنى دولة للـ25 عام المقبل.. من هنا سنرى ما إذا كانت شراكة عون - الحريري ثابتة أمام التغيّرات التي تحصل وسوف تحصل.

5- كشخصية لكم وزنكم، يقال الكثير عن الوضع اللبناني.. والحديث يدور حول سنٌ قانون تتم على أساسه الانتخابات النيابية.. السؤال هو: لمن القرار في لبنان ولماذا لا ينفذ الدستور طالما يطالب به الجميع؟ هل هذا الوطن بحاجة لقوانين أم أنه بحاجة لرجال؟
- إن مسألة سن قانون للانتخاب باتت من الواجبات في هذه المرحلة، خصوصاً بعد مرور أكثر من مئة يوم على انتخاب الرئيس ميشال عون الذي يسجَّل له طبعاً تمسّكه بالنسبية. إن المواطن اللبناني يستطيع التغيير، وهذه فرصة لقوى المجتمع المدني والأهلي للتحرك والضغط من أجل سن قانون يعتمد النسبية. في أي حال، أعود وأؤكد أن بإمكان المواطن لعب دور مهما كان شكل ومضمون القانون الذي ستجري على أساسه الانتخابات النيابية. والدليل القاطع يكمن في أخذ العبر من الانتخابات البلدية التي سطّر خلالها المواطن موقفاًً شجاعاً مما يجري على الساحة السياسية، رغم أن الانتخابات كانت بلدية واختيارية فحسب. وبإمكان المواطن أن يعيد الكرّة في الانتخابات النيابية. بكلمة، بإمكان المواطن اللبناني التغيير الحقيقي عبر صندوقة الاقتراع ولسوف يفعل! ولا ننسى أن لبنان يستحق التغيير.. لبنان حرزان...

6- حتى الآن؛ هنالك من يربط حصول الانتخابات النيابية بالاتفاق حول قانون "النسبية" أو التأجيل ريثما تتضح معالم الحل في سوريا؟
- الملف السوري عامل مؤثر في الوضع اللبناني. لكن من استطاع أن يجري انتخابات بلدية واختيارية ورئاسية وتشكيل حكومة، في ظل الوضع السوري القائم، يمكنه إجراء انتخابات نيابية. علماً أن الأزمة السورية تمرّ الآن بمخاض مفاوضات ومؤتمرات جرت في أستانا وجنيف 4، وهذه مؤشرات على اهتمام دولي بإنجاز ما على مستوى التسوية في سوريا. وهنا أريد أن أؤكد أن لبنان ضرورة للعالم في مشروع إعادة إعمار سوريا وله دور أساسي في هذه العملية، إذ بمقدور الطاقات اللبنانية المشاركة في القطاعين العام والخاص. في أي حال فإن المشاركة في هذا المشروع فكرة عقلانية ومضمونة النتائج، إذا أعددنا لبنان بنية تحتية والأهم بنية سياسية تؤثر المصلحة العامة للبلد على أي مصلحة فئوية خاصة. من هنا، ومن أجل لبنان الدولة، يجب أن تجري الانتخابات النيابية. والأفضل أن تجري بقانون النسبية لأن التغيير حتميّ، وإلا ستبقى الساحة السياسية في حالة مراوحة.

7- هل يرى فؤاد مخزومي سياستين تتحكمان بلبنان؟ وعليه، كيف تقيٌمون العلاقة بين رئيس الجمهورية ميشال عون ومجلس الوزراء سعد الحريري وما دور رئيس مجلس النواب نبيه بري فيها؟
- هناك سياسات وليس سياستين. والسبب واضح أن السياسيين اللبنانيين اعتادوا انتظار الخارج الإقليمي والدولي بقواه الفاعلة كافة، والكمون بانتظار معالم خارجية مختلفة أو موازين قوى جديدة. لكن الواقع يفيد أن المنطقة تقع فوق رمال متحركة. لذلك على القوى السياسية اللبنانية التمسك بمزيد من الاستقلالية في القرار، لأن الفرصة سانحة الآن بعد انتخابات الرئاسة. ولا أظن أن مشكلة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري طالما أن معادلة التسوية التي يشارك فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري وبالتأكيد حزب الله لم تزل قائمة. وأعتقد أن الوضع مثالي للتغيير والاستقرار والاستقلالية. برأيي، إن تماسك أهل السلطة ضروري جداً في هذه المرحلة، أو بمعنى آخر التمسك بالتسوية، والضرورة هنا تكمن في أهمية إقرار موازنة للعام 2017، بعد تغييب للموازنات مدة اثني عشر عاماً، فمن غير الموازنة لن يكون هنالك قيامة حقيقية لدولة المؤسسات، خصوصاً أن مسألة الصرف على القاعدة الإثني عشرية هدَّد الدولة ويهدِّد الثقة فيها. علماً أن كل الإجراءات المالية التي قام بها مصرف لبنان، بحجة إنقاذ الموضع في ظل الفراغ الدستوري، سوف تذهب هدراً. في أي حال المشكلة تكمن أيضاً في أن أحداً لن يعترف بنا والبنك الدولي ليس جمعية خيرية ولا المؤسسات الأممية أو الدولية سوف تغطي مشاريعنا الإنمائية "على العمياني". المطلوب موازنة وشفافية وإعطاء انطباع إيجابي عن الاقتصاد. كذلك تكمن ضرورة تماسك السلطة أيضاً من أجل إجراء الانتخابات النيابية وليس التأجيل أو التمديد أو أي مسمّى آخر. فالانتخابات النيابية استحقاق يعطي فرصة جديدة للبنان الدولة أن تجدد طاقمها السياسي كي تثبت وجودها الشرعي أمام العالم، والأهم أمام مواطنيها الذين ينتظرون التغيير منذ سنوات وسنوات.

8- هل التقيتم بمسؤولين من إيران؟
- إيران دولة كبيرة، والتبادل التجاري معها يتطلب إنهاء العقوبات عليها، فللبنان مصالح أيضاً مع أميركا. بالنسبة لي فإن علاقاتي منفتحة مع المسؤولين وأصحاب المواقع في الخارج الإقليمي والدولي، والسفير الإيراني يزورني بين الحين والآخر.
(*) مقابلة المهندس فؤاد مخزومي مع موقع "الإنتشار"